ابن كثير

159

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

تفسير سورة التغابن وهي مدنية وقيل مكية قال الطبراني : حدثنا محمد بن هارون بن محمد بن بكار الدمشقي ، حدثنا العباس بن الوليد الخلال حدثنا الوليد بن الوليد ، حدثنا ابن ثوبان عن عطاء بن أبي رباح عن عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما من مولود يولد إلا مكتوب في تشبيك رأسه خمس آيات من سورة التغابن » أورده ابن عساكر في ترجمة الوليد بن صالح ، وهو غريب جدا بل منكر . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ سورة التغابن ( 64 ) : الآيات 1 إلى 4 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 1 ) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 2 ) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( 3 ) يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 4 ) هذه السورة هي آخر المسبحات وقد تقدم الكلام على تسبيح المخلوقات لبارئها ومالكها ، ولهذا قال تعالى : لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ أي هو المتصرف في جميع الكائنات المحمود على جميع ما يخلقه ويقدره . وقوله تعالى : وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي ما أراد كان بلا ممانع ولا مدافع وما لم يشأ لم يكن . وقوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ أي هو الخالق لكم على هذه الصفة ، وأراد منكم ذلك فلا بد من وجود مؤمن وكافر ، وهو البصير بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلال ، وهو شهيد على أعمال عباده وسيجزيهم بها أتم الجزاء ، ولهذا قال تعالى : وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ثم قال تعالى : خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ أي بالعدل والحكمة وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ أي أحسن أشكالكم ، كقوله تعالى : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ [ الانفطار : 6 - 8 ] . وكقوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ [ غافر : 64 ] الآية ، وقوله تعالى : وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ أي المرجع والمآب ، ثم أخبر تعالى عن علمه بجميع الكائنات السمائية والأرضية والنفسية فقال تعالى : يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ .